خواطر حول الترجمة -2

خواطر حول الترجمة -2

هذه التدوينة للمترجمين من المستوى المتوسط.

وصلني تعليق منذ عدة أيام استحضر إلى ذهني مثلاً إنجليزياً شهيراً أؤمن به بشدة، وهو:

Familiarity breeds contempt.

طبعاً إذا كنت أحد العاملين في مجموعتنا، فأنت بالفعل تعرف مدى تبجيلي لهذا المثل وإيماني به. ورغم أنني أعرف المثل منذ كنت في الجامعة، فإنني بدأت أتأمل فيه مرة أخرى. إذا لم تكن تعرف المثل، فتوقف قليلاً وحاول ترجمته.

بحسب مستوى ودقة الترجمة التي تسعى إليها، وبحسب ما هو متاح لديك من وقت، من الممكن أن يكون الأضمن في حالات مثل هذه أن تتأكد من معنى كل كلمة. أنا أفعل هذا كثيراً، ومن يدري، ربما تندهش من غرابة المعاني التي قد تجدها. ابحث مثلاً في معنى كلمة familiarity وحاول إخفاء دهشتك من أحد معانيها المتأخرة (المعنى الخاص بـ “الحرية”).

نحن هنا بصدد المعنى المألوف لكلمة familiarity وهو “الألفة” أو “الحميمية”.

كلمة breed لها معانٍ كثيرة، ولكن إذا استبعدنا معاني التناسل والتربية، سنجد أن المعنى الأقرب هنا هو “يسبّب” أو “يولّد”.

الكلمة الأخيرة contempt من الكلمات المريحة التي تخلو من المفاجآت “ازدراء احتقار قلة احترام”.

إذاً، فالترجمة المتوقعة للمثل هي “الألفة تسبب الاحتقار”، أو “الألفة تولد الازدراء”.

وبعد أن طرأ المثل على ذهني وجدتني أسأل نفسي:

But does familiarity really breed contempt?

لم أكذّب خبراً وكتبت هذا السؤال في جوجل (جوجل يتلقى ملايين الأسئلة كل يوم، ولا أعتقد أنه سيجد صعوبة في هضم سؤالي :) ).

وفي نتائج البحث، وجدت موقعاً رائعاً يتحدث عن علم النفس، وهو PsyBlog، وفيه وجدت مقالاً جميلاً عن موضوعنا (يمكنك أن تقرؤه هنا). ووجدت افتتاحية المقال نموذجاً جيداً للتدرب على الترجمة متوسطة الصعوبة. تقول الافتتاحية:

Why Familiarity Really Does Breed Contempt

People’s intuition is that learning more about a new acquaintance will lead to greater liking. In fact, on average, we like other people less the more we know about them.

“Hell is other people.” — Jean-Paul Sartre

“I only drink to make other people seem interesting” — George Jean Nathan

“Fish and visitors smell in three days.” — Benjamin Franklin

Given how irritating other people sometimes are, it’s surprising how many of us are eternal optimists about forming new relationships. Indeed people seem primed to like others: the ‘mere exposure effect’ is a robust social psychological finding demonstrating that just being exposed to someone causes us to like them more.

في الواقع، يحتوي هذا النص على “تشكيلة” من المشاكل المعتادة التي يمكن أن يصادفها المترجم في عمله اليومي. من فضلك توقف، وترجم النص بنفسك قبل أن تقرأ تحليله في بقية التدوينة. إذا لم تتدرب، فلن تتقدم :) .

دعنا نبدأ..

العنوان: طبعاً لاحظت أنه سؤال غير مباشر. قاوم رغبتك في ترجمة كلمة Why هنا بـ “لماذا”.. لن أقول لك إنها خطأ، ولكن الأصوب أن تترجمها “السبب وراء أن” أو “السبب في أن”..

الجملة الأولى: لو فكرت تمشي مع التركيب الإنجليزي ها تلاقي نفسك مع الأخ اللي طردته في التدوينة السابقة :) .

عندما أصادف جملاً مثل هذه، أفكر أولاً في الوصول إلى “المعنى العميق” لها، ولا أحاول تتبع التركيب بدقة. الجملة ببساطة تقول إننا نعتقد أن معرفة المزيد عن شخص ستزيد حبنا له ولكن الواقع غير ذلك.

المطلوب هو ترجمة المعنى، بأقرب وأدق صورة ممكنة، وبتركيب عربي سليم. هذا هو تحدي الترجمة على أية حال.

ربما تجد أن المعنى الإنجليزي واضح للغاية، ولكن المعنى العربي قد يمثل لك تحدياً بعض الشيء بحسب مستوى خبرتك، خاصة تركيب less the more. حاول مع الجملة قبل قراءة بقية التدوينة.

بعد ذلك، يأتي الاقتباسات الثلاثة. والاقتباسات من الأشياء التي أحب ترجمتها لأنها في الغالب تكون صعبة وتتطلب البحث لمعرفة السياق، ولكن بعضها يكون سخيفاً فعلاً. لحسن الحظ، لا توجد سخافة هنا، وإنما صعوبة فقط. وعليك أن تتحرر قليلاً في الصياغة حتى تتمكن من كتابة عربي مفهوم.

الاقتباس الأول معروف ومشهور للغاية “الجحيم هو الآخرون”. لقد درسنا “سارتر” في السنة الرابعة في الكلية في مادة “الحضارة” ولازلت أتذكر بعض العبارات الشهيرة له التي كانت تثير المناقشات حامية الوطيس بيني وبين زملائي وكانت تشغل بالي. خذ مثلاً عبارته الشهيرة: The universe is both gratuitous and contengent.

أما عبارته الواردة هنا “الجحيم هو الآخرون” فقد اشتهرت إلى درجة أن التفكير فيها يعد إضاعة للوقت.

العبارة الثانية لذيذة (ومضحكة) فالراجل -الذي لا أعرفه- بيسكّر طينة علشان يقدر “يبلع” الناس. والله معاه حق بعض الناس لا يمكن قبولهم وأنت في كامل قواك العقلية :) .

أما العبارة الثالثة فهي فعلاً “غلسة”.. المعنى الذي يريد صاحبنا أن يقوله هو “يا بخت من زار وخفف”. فالزوار مثل السمك “بتطلع ريحتهم” بعد اليوم الثالث. تخيل أنك تركت السمك خارج الثلاجة فإنه سيصدر رائحة “نتنة” وكذلك الزوار إذا طالت زيارتهم! الراجل هو اللي بيقول مش أنا. أعتقد أن هناك مثل صيني بنفس المعنى، يمكن حسام بيومي يتذكر أكتر (حسام واحد من تلاميذي النجباء في الترجمة :) ).

الفقرة الأخيرة فيها “كلكيعة”.. حكاية الـ mere exposure. كلمة exposure حسب ما أعرف تعني “التعريض” وهو مأخوذة من صناعة الصور الفوتوغرافية وهي نسبة تعرض الفيلم الخام للضوء عند تحميض الصور، وكنت باترجمها كده في فوتوشوب لأن المقصود كان نفس المعنى، زيادة تعريض الصورة يعني زيادة كمية الضوء فيها. لكن هنا طبعاً “تعريض” ممكن تودي القسم :)

توقف وترجم النص ترجمة كاملة، قبل أن تقرأ ترجمتي المتواضعة:

السبب في أن الألفة تسبب الاحتقار حقاً

الناس بالفطرة يظنون أن معرفة المزيد عن شخص جديد عليهم تزيد من حبهم له. ولكن الواقع يقول إننا، في المتوسط، يقل حبنا للآخرين كلما زادت معرفتنا بهم.

“الجحيم هو الآخرون” — جان بول سارتر

“إنما أثمل فقط كي أجعل الآخرين يبدون ممتعين”  — جورج جان ناثان

“الزوار مثل السمك تفوح رائحتهم بعد ثلاثة أيام” — بنجامين فرانكلين

إذا أخذنا في الاعتبار إلى أي مدى يمكن أن يكون بعض الناس مزعجين، فمن المثير للدهشة أن الكثيرين منا لا يزالون متفائلين دوماً حيال تكوين علاقات جديدة. في الواقع، يبدو الناس وكأنهم مهيئون لمحبة الآخرين: إن تأثير “مجرد الظهور” من الاكتشافات النفسية الاجتماعية القوية التي تبين أن مجرد ظهور شخص أمامنا يجعل حبنا له يزيد.

لاحظ كيف أنني استخدمت كلمة “يظنون” في الفقرة الأولى. هذه الكلمة زائدة وغير موجودة في الأصل، ولكني أرى أنها تفيد النص لأنها تعطي الإيحاء بأن ما يليها خطأ (وهذا هو لب الموضوع). ولو أردت التزاماً أكثر بالنص كان من الممكن أن نقول “فطرة الناس هي أن معرفتهم” ولن تكون خطأ ولكنها قد تكون غير مألوفة بعض الشيء.

لاحظ أيضاً كيف تخلصت من تعبير greater liking ولم أقل مثلاً “تؤدي إلى حب أعظم” لأنه سيكون في هذا مبالغة غير مستساغة (من وجهة نظري طبعاً). وأخيراً لاحظ تبسيط عبارة less the more..

لاحظ كذلك تعبير “مجرد الظهور” في الفقرة الأخيرة. فكرت في البداية في استخدام “مجرد التواجد”، ولكن هذا هو أفضل ما توصلت إليه، وكلي آذان صاغية لمن يدلو بدلو أعمق. اقرأ المزيد عن هذا التأثير في ويكيبيديا هنا.
..